الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
217
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بالأخدود الحفير بما فيه . و الْوَقُودِ : بفتح الواو اسم ما توقد به النار من حطب ونفط ونحوه . ومعنى ذاتِ الْوَقُودِ : أنها لا يخمد لهبها لأن لها وقودا يلقى فيها كلّما خبت . ويتعلق : إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ بفعل قتل ، أي لعنوا وغضب اللّه عليهم حين قعدوا على الأخدود . وضمير هُمْ عائد إلى أصحاب الأخدود فإن الملك يحضر تنفيذ أمره ومعه ملأه ، أو أريد بهم المأمورون من الملك . فعلى احتمال أنهم أعوان الملك فالقعود الجلوس كني به عن الملازمة للأخدود لئلا يتهاون الذين يحشون النار بتسعيرها ، و ( على ) للاستعلاء المجازي لأنهم لا يقعدون فوق النار ولكن حولها . وإنما عبر عن القرب والمراقبة بالاستعلاء كقول الأعشى : وبات على النار الندى والمحلق ومثله قوله تعالى : وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ [ القصص : 23 ] ، أي عنده . وعلى احتمال أن يكون المراد ب أَصْحابُ الْأُخْدُودِ المؤمنين المعذّبين فيه ، فالقعود حقيقة و ( على ) للاستعلاء الحقيقي ، أي قاعدون على النار بأن كانوا يحرقونهم مربوطين بهيئة القعود لأن ذلك أشد تعذيبا وتمثيلا ، أي بعد أن يقعدوهم في الأخاديد يوقدون النار فيها وذلك أروع وأطول تعذيبا . وأعيد ضمير هُمْ في قوله : وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ ليتعيّن أن يكون عائدا إلى بعض أصحاب الأخدود . وضمير يَفْعَلُونَ يجوز أن يعود إلى أَصْحابُ الْأُخْدُودِ ، فمعنى كونهم شهودا على ما يفعلونه : أن بعضهم يشهد لبعض عند الملك بأن أحدا لم يفرط فيما وكّل به من تحريق المؤمنين ، فضمائر الجمع وصيغته موزعة . ويجوز أن يعود الضمير إلى ما تقتضيه دلالة الاقتضاء من تقسيم أصحاب الأخدود إلى أمراء ومأمورين شأن الأعمال العظيمة ، فلمّا أخبر عن أصحاب الأخدود بأنهم قعود على النار علم أنهم الموكلون بمراقبة العمال . فعلم أن لهم أتباعا من سعّارين ووزعة فهم معاد ضمير يفعلون .